فخر الدين الرازي

122

المطالب العالية من العلم الإلهي

عن الرسول المعظم . فعلمنا : أنه ما كانت دعوته البتة ، إلى هذا الدين الخبيث ، وإنما كانت دعوته إلى التوحيد والتنزيه 1 . ثم إن تلك الدعوة ما ظهرت البتة ، بل بقيت مطوية غير مروية . فثبت أنه لم يظهر لدعوته إلى الحق أثر البتة . وأما دعوة محمد عليه السلام إلى التوحيد والتنزيه ، فقد وصلت إلى أكثر بلاد المعمورة ، والناس قبل مجيئه كانوا على الأديان الباطلة . فعبدة الأصنام كانوا مشتغلين بعبادة الحجر والخشب . واليهود كانوا في دين [ التشبيه ، وصنعة التزوير ، وترويج الأكاذيب . والمجوس كانوا في عبادة الإلهين 2 ] ونكاح الأمهات والبنات . والنصارى كانوا في تثليث الأب ، والابن وروح القدس . والصابئة كانوا في عبادة الكواكب . فكأن أهل العالم معرضين عن الدين الحق ، والمذهب الصدق ، فلما أرسله اللّه تعالى إلى هذا العالم ، بطلت الأديان الباطلة ، وزالت المقالات الفاسدة ، وطلعت شموس التوحيد ، وأقمار التنزيه من قلب كل أحد ، وانتشرت تلك الأنوار في بلاد العالم . فثبت : أن تأثير دعوة محمد عليه السلام في علاج القلوب المريضة والنفوس الظلمانية ، كان أتم وأكمل من تأثير دعوة سائر الأنبياء . فوجب القطع بأنه أفضل من جميع الأنبياء والرسل ، في كل ما يتعلق بالنبوة والرسالة . وهذا برهان ظاهر من باب برهان اللّه . فإنا بحثنا عن حقيقة النبوة والرسالة . ثم بينا : أن كمال تلك الماهية ، ما حصلت لأحد من الأنبياء ، كما حصل لمحمد عليه الصلاة والسلام .

--> في الفصل الرابع بعد المائة من إنجيل برنابا وما بعده : « قال متى : يا معلم إنك لقد اعترفت أمام اليهودية كلها بأن ليس للّه من شبه كالبشر . وقلت الآن : إن الإنسان ينال من يد اللّه . فإذا كان للّه يدان ، فله إذن : شبه بالبشر ؟ أجاب يسوع : إنك لفي ضلال يا متى . ولقد ضل الكثيرون هكذا ، إذ لم يفقهوا معنى الكلام ، لأنه لا يجب على الإنسان أن يلاحظ ظاهر الكلام ، بل معناه : أن الكلام البشري بمثابة ترجمان بيننا وبين اللّه . ألا تعلم أنه لما أراد اللّه أن يكلم آباءنا على جبل سيناء ، صرخ آباؤنا : كلمنا أنت يا موسى . ولا يكلمنا اللّه لئلا نموت ؟ وما ذا قال اللّه على لسان أشعياء النبي : أليس كما بعدت السماوات عن الأرض ، هكذا بعدت طرق اللّه عن طرق الناس ، وأفكار اللّه عن أفكار الناس ؟ إن اللّه لا يدركه قياس ، إلى حد أني ارتجف من وصفه . . . الخ » . سقط ( ت ) .